ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الشيري )

231

الامامة والسياسة

أن أوجه عيالي معك . فقال ابن عمر : إني لا أقدر على مصاحبة النساء . قال : فتجعلهم في منزلك مع حرمك . قال : لا آمن أن يدخل على حريمي من أجل مكانكم . فكلم مروان علي بن الحسين ، فقال : نعم ، فضمهم علي إليه ، وبعث بهم مع عياله ، قال : ثم ارتحل القوم من ذي خشب على أقبح إخراج يكون ، وإسراع خوفا منهم أن يبدو للقوم في حبسهم ، وجعل مروان يقول لابنه عبد الملك : يا بني إن هؤلاء القوم لم يدروا ولم يستشيروا ، فقال ابنه : وكيف ذلك ؟ قال : إذ لم يقتلونا أو يحبسونا ، فإن بعثوا إلينا بعثا كنا في أيديهم ، وما أخوفني أن يفطنوا لهذا الأمر فيبعثوا في طلبنا فالوحي الوحي والنجاء النجاء ( 1 ) . إرسال يزيد الجيوش إليهم قال : فلما أجمع رأي يزيد على إرسال الجيوش ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد يا أهل الشام ، فإن أهل المدينة أخرجوا قومنا منها ، والله لأن تقع الخضراء على الغبراء ( 2 ) أحب إلي من ذلك . وكان معاوية قد أوصى يزيد فقال له : إن رابك منهم ريب ، أو انتقض عليك منهم أحد ، فعليك بأعور بني مرة مسلم بن عقبة ، فدعا به فقال : سر إلى هذه المدينة بهذه الجيوش ( 3 ) ، وإن شئت أعفيتك ، فإني أراك مدنفا منهوكا . فقال : نشدتك الله ، أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي ، أو تبعث غيري ، فإني رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح أغصانها : يا ثارات عثمان ، فأقبلت إليها ، وجعلت الشجرة تقول : إلي يا مسلم بن عقبة ، فأتيت فأخذتها ، فعبرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان ، ووالله ما صنعوا الذي صنعوا إلا أن الله أراد بهم الهلاك . فقال يزيد : فسر على بركة الله ، فأنت صاحبهم ، فخرج مسلم فعسكر وعرض الأجناد ، فلم يخرج معه أصغر من ابن عشرين ، ولا أكبر من ابن خمسين على خيل عراب ، وسلاح شاك ، وأداة كاملة ، ووجه معه عشرة آلاف بعير تحمل الزاد حتى خرج ،

--> ( 1 ) قال الطبري : أن مروان بن الحكم كتب كتابا وأرسله إلى يزيد مع ابنه عبد الملك بن مروان وكان في الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم : أما بعد ، فإنه قد حصرنا في دار مروان بن الحكم ، ومنعنا العذب ، ورمينا بالجبوب ، فيا غوثاه يا غوثاه . ( 2 ) الغبراء : الأرض ، والخضراء : السماء . ( 3 ) في الطبري وابن الأثير : اثنا عشر ألف . وفي فتوح ابن الأعثم : عشرون ألف فارس وسبعة آلاف راجل .